الياس شوفاني

244

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وموضوعية ، استمرت فترة الهبوط في السلطنة أكثر من ثلاثة قرون ، الأمر الذي يضعها في مصاف سابقتها ، الإمبراطورية البيزنطية ، وفي مدينة القسطنطينية أيضا . وقد بدأ الفساد في القمة ، وراح يتغلغل في جسم الدولة إلى القاعدة . وبينما عوّض بعض الوزراء الأكفاء في البداية عن عجز السلاطين ، وغطوا بنشاطهم عورات بني عثمان ، فإنه في المرحلة الثانية ، كان بقاء السلطنة رهنا بالتوازنات الدولية ، وخصوصا الأوروبية . فاكتسبت السلطنة ، وبجدارة ، لقب « رجل أوروبا المريض » ، ولم تنفع معها محاولات الإصلاح عبر « التنظيمات » المتعددة . لقد مرّت أيام سليم الثاني ، ابن سليمان ( 1566 - 1574 م ) بسلام نسبي ، ليس بسبب قدراته الشخصية ، وإنما بفضل كفاءة وزيره محمد صقلّي . وفي أيام مراد الثالث ( 1574 - 1595 م ) ، ومن بعده ابنه محمد الثالث ( 1595 - 1603 م ) ، برز الاختلال في مركز السلطنة . فضعف السلطان شجع الإنكشارية على التمادي في طلب زيادة رواتبهم ومكافآتهم ، وبالتالي تواتر تمرداتهم . وهذا الاختلال في المركز أغرى الحكام المحليين والأمراء الإقطاعيين في الأطراف ، بانتهاز الفرصة ومحاولة الاستقلال ، أو على الأقل تحسين شروط العلاقة مع الباب العالي . وقد برز بين هؤلاء الأمير فخر الدين المعني الثاني ( 1590 - 1635 م ) ، الذي انتهز الفرصة لتوسيع نفوذه ، وخصوصا في وقت كان الجيش العثماني مشغولا بالحرب مع الصفويين . واتجه فخر الدين إلى فلسطين ، فاحتل لواء صفد ، وأصبح على تماس مع الأمراء الحارثيين في اللجون - آل طراباي - من جهة ، ومع والي دمشق ، الذي ظل مواليا للباب العالي ، من جهة أخرى . وكان المعنيون ، وهم قبيلة عربية درزية ، قد أقاموا سلطتهم الإقطاعية في جبل لبنان أيام المماليك . وفي المعركة بين سليم الأول والغوري ، وقف أميرهم ، فخر الدين الأول على الحياد حتى انجلى الموقف ، فسارع إلى الانحياز إلى المنتصر . وفي مقابل قسم الولاء ، ثبت السلطان العثماني الأمير المعني في إقطاعيته . أمّا فخر الدين الثاني ، الذي تميّز بقصر قامته وعظم طموحه ، فقد تطلع إلى إقامة دولة مستقلة في بلاد الشام . وبالدبلوماسية أخذ من الباب العالي سنجقي بيروت وصيدا ، ميناءين على البحر ، ومنفذين لتجارته وعلاقاته مع أوروبا . ثم انتهز الفرصة لضم طرابلس وبعلبك والبقاع . وما لبث أن توجه نحو فلسطين ، فأخذ صفد وطبرية والناصرة . وراح يتدخل في شؤون الحوران وشرقي الأردن . وعقد تحالفا مع حاكم غزة ضد حكام القدس ونابلس واللجون . ودارت بين الطرفين معارك غير حاسمة ، لم تكن في مصلحة فخر الدين ، لكنها لم تردعه .